مجلة كلية القانون والعلوم السياسية
The
College of Law and Political Science Journal
العدد 32
السنة
2026
حق الشعوب في
تقرير المصير (الشعب الفلسطيني إنموذجاً)
ميامي إسماعيل غني(*)
(*) مدرس
مساعد - جامعة ديالى – كلية القانون والعلوم السياسية maimi@uodiyala.edu.iq
المستخلص
يعد حق الشعـوب في تقريـر المصير من المبادئ الثابتة في القانون الدولي لحقوق الإنسان وهذا يأتي
انطلاقا من الأهمية التي يتمتع بها هذا الحق والذي بدونه لما أمكن للعديد من الدول
التحرر والاستقلال ولأن تحقيقه يعد شرطاً أساسياً لضمان الاحترام الفعلي لحقوق
الإنسان الفردية لاسيما حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره الذي أصبحت الانتهاكات
التي يتعرضون لها من القضايا المناهضة للعصر لذا فإن الحق المذكور آنفاً أخذ حيزاً
كبيراً في العديد من الاتفاقيات الدولية إذ نص عليه لأول مرة في العهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 ولم يقتصر الأمر عند هذا القدر إذ
سارت اتفاقيات إقليمية بذات الاتجاه من أجل كفالة حق الشعوب في تقرير المصير
لاسيما الشعب الفلسطيني كالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لسنة 1981
والميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004 إذ أكدت على الحق في السيادة الدائمة على
موارد الشعوب الطبيعية وحقها في تقرير المصير وغيرها من الاتفاقيات الأخرى التي
تطرقت لهذا الحق.
الكلمات المفتاحية
حق تقرير المصير، الكفاح المسلح، الشعب الفلسطيني،
القانون الدولي، حقوق الإنسان
للاستشهاد
بهذا البحث:
غني، ميامي إسماعيل. "حق
الشعوب في تقرير المصير (الشعب الفلسطيني إنموذجاً)".
مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، عدد 32، ص 205-227 https://doi.org/10.61279/t8d25h54
تاريخ
الاستلام: 20 تشرين الثاني 2025 تاريخ
القبول: 25 اذار 2025
تاريخ النشر ورقيا: 25 نيسان 2026
متوفر
على الموقع الالكتروني: 25 نيسان 2026
متوفر
على: https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/589
متوفر
على: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/view/253
ترميز
رقمي: https://doi.org/10.61279/t8d25h54
مفهرسة
على: https://doaj.org/toc/2664-4088
المجلة
تعمل بنظام التحكيم المجهول لكل من الباحث والمحكمين
هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق (نسب
المشاع الإبداعي) (نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق 4.0 دولي)
يحتفظ المؤلفون بحقوق النشر (Copyright) لأعمالهم المنشورة في المجلة، مع منح
المجلة حق النشر الأول وذلك حسب سياسات المجلة
نسخة المجلة المنشورة هي النسخة الرسمية المعتمدة لأغراض التوثيق
والاستشهاد العلمي
المجلة مؤرشفة في
مستوعب المجلات العراقية المفتوحة
للمزيد من المعلومات مراجعة موقع
المجلة www.jlps.edu.iq
Issue
32
Year
2026
The
right of peoples to self- determination (The
Palestinian people as a model)
Miami Esmaeil
Ghani(*)
(*) Assistant Lecturer - College Of Law and Political Science – University of Diyala maimi@uodiyala.edu.iq
Abstract
The right of people to
self-determination is one of the established principles of international human
rights law. This stems from the importance of this right, without which many
countries would not have been able to achieve liberation And independence,
because achieving it is a basic condition for ensuring actual respect for
individual human rights, especially the right of the Palestinian people to
self-determination, the violations to which they are exposed have become
anti-issues For the era, the aforementioned right has taken up a large space in
many international agreements, as it was stipulated for the first time in the
International Covenant on Civil and Political Rights of 1966, as well as the
International Covenant on Human Rights The Economic, Social and Cultural
Charter of 1966 did not stop there, as regional agreements followed the same
path in order to guarantee the right of peoples to self-determination,
especially the Palestinian people, such as the African Charter The 1981
Convention on Human and Peoples’ Rights and the 2004 Arab Charter on Human
Rights affirmed the right to permanent sovereignty over peoples’ natural
resources and their right to self-determination, as well as other agreements
that addressed this right.
Key Words
Self-determination
right، Armed
struggle, the Palestinian people, international law, Human rights
Recommended citation
غني، ميامي إسماعيل.
"حق الشعوب في تقرير المصير (الشعب الفلسطيني إنموذجاً)".
مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، عدد 32، ص 205-227 https://doi.org/10.61279/t8d25h54
Received
20 Nov. 2025; accepted 25 Mar. 2025
published
25 April 2026 ; published online: 25
April 2026
Available online at: https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/en/article/view/589
Online archived copy can be found at: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/view/253
Indexed by: https://doaj.org/toc/2664-4088
Crossref DOI: https://doi.org/10.61279/t8d25h54
This article has been reviewed under the
journal’s double-blind peer review policy.
This article is open access and licensed under a
Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).
Authors retain the copyright to their works
published in the journal, while granting the journal the right of first
publication according to the journal’s policies.
The published version of the journal is the
official version authorized for documentation and scholarly citation purposes.
The journal is archived in the Iraqi Open Access
Journals database.
For
more information, please refer to the link www.jlps.edu.iq
المقدمة
يُعد مبدأ
حق الشعوب في تقرير مصيرها من أهم ركائز القانون الدولي، إذ يُمكّن الشعوب الواقعة
تحت السيطرة أو الاستعمار الأجنبي من تحقيق استقلالها وسيادتها الوطنية بحرية، ودون
أي تدخل خارجي، مع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ورغم تأكيد المواثيق الدولية
وميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق، فإن تطبيقه يواجه صعوبات كبيرة بسبب ازدواجية المعايير
وسيطرة الدول الكبرى على قرارات مجلس الأمن من خلال حق النقض (الفيتو)، مما يعطل تنفيذ
العديد من القرارات الداعمة لحقوق الشعوب وتُعد القضية الفلسطينية أبرز مثال على ذلك،
حيث يُواجه الشعب الفلسطيني عراقيل متكررة في نيل حقه المشروع في تقرير مصيره نتيجة
التحيز الأمريكي لإسرائيل واستخدامه المتكرر للفيتو ضد القرارات المؤيدة للحقوق
الفلسطينية.
اولا: مشكلة البحث
تكمن
مشكلة البحث في ان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها محورا أساسيا في القانون الدولي
ضمن أعمال المنظمات الدولية ولا تكاد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تخلو من مواد
تكرسه، فما مدى تأثير الاعتراف الدولي على اعتبار الشعب الذي مارس حقه في تقرير
مصيره عضوا كاملا في المجتمع الدولي؟
ثانيا: اهمية البحث
دراسة هذا
الموضوع من خلال الإجابة على الإشكالية السابقة تهدف إلى تبيان مدى تأثير الاعتراف
الدولي على مستقبل الشعوب الساعية إلى تحقيق مصيرها، كما ترجع أهمية البحث هذا
الموضوع في التطرق لمختلف الرؤى التي لا تزال تختلف حول مفهوم تقرير المصير والتعرض
لمختلف الظروف التي تقع عائق أمام تطبيق واقعي لحق تقرير المصير منها المصالح
كأبرز عائق.
ثالثا: ـ منهجية البحث
ولقد تم
استخدام المنهج الوصفي المعتمد على جمع وتحصيل وعرض المعلومات التي لها صلة
بالموضوع، واتبعنا كذلك المنهج التحليلي من خلال تحليل بعض نصوص المواثيق
والاتفاقيات الدولية، وقرارات مجلس الأمن فيما يخص قضايا تقرير المصير في العالم.
المبحث الاول
ماهية حق الشعوب تقرير المصير
اعتبر
مبدأ حق الشعـوب في تقرير مصيرها من المبادئ الأساسية التي يقـوم عليها القـانون
الدولي المعاصر، ومن الأسـس الهـامة التي ينهض عليها التزام الدول، إذ رغـم
الاختـلاف الفقهي في تعريف هذا المبدأ، إلا أن العـمل به في السـاحة الدولية كان
على نطاق واسع، وذلك نظرا لموجة الاستعمار التي مست معظم دول العالم، وقد اختلفـت
آراء الفقهاء حول إيجاد مفهـوم مـوحد لحق تقـرير المصير، غير أن مـدلول هذا الحـق
ينصب في قالب واحد ألا وهـو تحرير الشعـوب من سيطرة الاستعـمار، وفتح المجـال
أمامـها للاستقـلال والتحـرر وهذا وفـق الأطر الدولية، كما لا بد من تحـديد
الطبيعـة القـانونية لهـذا الحق في إطـاره المعاصر([1]).لذلك سوف نقسم هذا المبحث الى
مطلبين:
المطلب الاول: مفهوم حق الشعوب في تقرير المصير
المطلب الثاني: دفاع الشعوب عن حقها في تقرير المصير
المطلب الاول
تعريف حق الشعوب في تقرير
المصير
حق تقرير المصير هو مصطلح في القانون الدولي يعني منح الشعب أو السكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي
يريدونها وطريقة تحقيقها بشكل حر وبدون تدخل خارجي سوف نعرف حق تقرير المصير لغة
واصطلاحا في فرعين:
الفرع الاول
تعريف حق الشعوب في تقرير المصير لغة واصطلاحاً
سوف نعرف
حق الشعوب في تقرير المصير كالاتي:
اولا:
لغة: يعني التقرير جعل الشيء في قراره، وقررت عند الخبر حتى استقر، أمّا المصير
فيعنى به مفعل من صار إليه الأمر والثبات والاستقرار والطمأنينة وثبات العيش([2]).
وعليه، إجمالا فإنّ تقرير المصير لغةً يعني ترك الشيء من الآخر، والثبات
والاستقرار والطمأنينة.([3])
ثانيا: اصطلاحا:
هنـاك أكثـر من تعريف لحق تقرير المصير لأنه من الصعب أن يتفـق الفقهاء على تعريف
موحد أو محدد خاصة أن ميثاق الأمم المتحدة لم يوضح معنى أو مفهوم حق الشعـوب في
تقرير مصيره واكتفى بالإشارة إليه في الفقرة الثانية من المادة الأولى والمادة 55
من الميثاق ولم تقدم الجمعية العامة توضيحا كافيا لهـذا الحق.([4])
وهـنـاك من يـعـرف هذا الحـق على
أنه "حق قـانـونـي دولي ويعـتبـر أحـد أهم مـبادئ حقـوق الإنسـان وهذا معنى
حق تقرير المصير في مفهومه الواسع، أمـا في مفهومه الأكـثر تحـديدا فيعني الاستقلال
وقيـام دولة ذات سيادة([5]).
وكذلك هناك من يعـتقد أن "حق تقرير المصير حق كامن في مجموع السكان في إقـليم
معين والذين يشكلون شعـبا واحدا، وإنكار هذا الحق يعني حرمان هذا الشعب من ممارسة
سيادته واستقـلاله عن طريق إخضـاعه بالقوة وفرض أوضاع غير مقبولة عليه وحق في
تقريـر مصيـرها ينصرف لتـفعيل مبدأ الـسيادة للـدولة داخلياً وخارجياً".([6])
وقد عرفه محمد شوقي عبد العال حافظ بأنه "الإلغاء الفوري والكامل لسيطرة أي
شعب على شعب آخـر، بما يعني حرية هذه الشعـوب في تحديد مركزها السيـاسي والاقتصادي
والثقافي بمعزل عن أي نفوذ أو ضغط مباشر أو غير مباشر أيا كان نوعه"([7]). ويعرفه الدكتور رجب عبد المنعم متولي بأنه
"حـق الشعوب أو الأمم في أن تتمتع بالحرية والاستقـلال من السيطرة الخـارجية
أو الاستعمارية وبأن يختـار بحرية حكـومتها التي ترتئيـها ونظامها السيـاسي الذي
تقبله وأن يقـرر الشعب مستقبله السياسي بحرية فمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها
يشمل حسب "إعلان سنة 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلق بالعلاقات الـودية
والتعاون بين الدول في التوصية رقم 2625 ما يأتي:
1ـ تقرير
مركزه السياسي: ويكون بإحدى الطرق الآتية
· إنشـاء دولـتـه المستقلـة
· الارتبـاط بدولـة قـائمة، أو
الاندماج في دولة قائمة
· الاستمرار في العيش في الكيان
السياسي في الدولة المتبوعة
2ـ حقـه
في اختيار شكل النظام.
3ـ حقـه
في اختيار النظام الاقتصادي والاجتماعي.
وواضح مما
تقدم أن حق كل شعب في تقرير مصيره بنفسه داخليا وخارجيا وفي استخدام ثرواته
الطبيعية على النحو الذي يريده وفي التمتع بتراثه الروحي والمادي، هو حق أصيل وغير
مقيد بأية قيود ([8])
عدا القيد المتمثل في وجوب أن يعـتـرف هذا الشعب نفسه بالحقوق ذاتها لجميع الشعوب
الأخرى وفي الأخير فالسبب وراء عدم وجود تعريف شامل ومتفـق عليه دوليا لهذا الحق،
هو وجـود تفسيرات متباينة.([9])
الفرع الثاني
مضمون حق الشعوب في
تقرير مصيرها ونطاق تطبيقه
1ـ يُمارس
حق الشعوب في تقرير مصيرها داخليًا وخارجيًا من خلال اتفاق الأطراف المعنية، كما حدث
في مؤتمر السلام والديمقراطية بأديس أبابا عام 1991، حيث اتفقت القوى السياسية والحركات
والمنظمات الإثيوبية، بما فيها جبهة التحرير الإريترية، على تشكيل حكومة انتقالية في
إثيوبيا، والاعتراف رسميًا بحق الشعب الإريتري في تقرير مصيره عبر استفتاء دولي وبناءً
على ذلك، أُجري الاستفتاء في أفريل 1993 تحت إشراف الأمم
المتحدة، وأُعلنت دولة إريتريا رسميًا في مايو 1993، لتنضم إلى الأمم المتحدة كالدولة
رقم 182.
2 ـ يُعد الاستفتاء
العام من أبرز الوسائل السلمية لممارسة حق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث يُعبّر الشعب
من خلال الاقتراع الحر والسري عن رأيه في النظام السياسي وشكل الحكومة والسلطات السيادية،
بما يتيح له اختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يناسبه،
ويُعتبر هذا الأسلوب من أقدم وأوضح الوسائل الديمقراطية التي استخدمتها الشعوب عبر
التاريخ لتحديد مستقبلها بحرية([10]).
3. يمكن أن
يُمارس حق تقرير المصير استنادًا إلى نص دستوري، كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق،
حيث استقلت جمهوريات الاتحاد وفقًا للمادة (71) من الدستور السوفييتي التي أقرت هذا
الحق بما في ذلك الانفصال ورغم اعتبار بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية
([11]).
ثانيا:
نطاق تطبيق حق الشعوب في تقرير المصير
اولا: حق
تقرير المصير الخارجي، يقصد بحق تقرير المصير بأنه الحق الذي تطالب به الشعوب
المستعمرة، وهو الحق الذي نادى به إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في
عام 1960 في قرارها رقم 1514 الذي ناقشت فيه ، وهذا الحق متفق عليه بالنسبة لأعضاء
91 أوضاع الشعوب المستعمرة مثل الجزائر تونس والمغرب والمجتمع الدولي ولا يثير أي
تحفظ في إطار إقراره أو ممارسته، وارتبط حق تقرير المصير بالشعوب المستعمرة إلى
غاية سنة 1989 تاريخ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي ونشوء حركات
التحرر وظهور طوائف ومجموعات على أساس الدين والعرق والجنس في عدة
دول وظهور ما يعرف ب "حق تقرير المصير الداخلي([12]),
ثانيا: حق
تقرير المصير الداخلي المقصود به حق أغلبية الشعب داخل الوحدة السياسية الممثلة
لها في ممارسة السلطة وفقًا لمبادئ القانون الدولي لإقامة شكل للحكم والمؤسسات
الوطنية بصورة تتلاءم مع مطالب هذه الأغلبية، وهو حق في أغلب حالاته يقود إلى تقرير
المصير المؤدي للانفصال ويعتبر مرحلة متطورة لحق تقرير المصير، فلم يعد يشير إلى
حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها بل أصبح يهتم بمجموعة الأقليات العرقية أو
الدينية التي تطالب بالانفصال عن الدولة الأم وتأسيس دولة مستقلة ([13]).
ويمكننا اعتبار حالة جنوب إفريقيا مثالا واضحا في تطبيق حق تقرير المصير واختیار
نظام الحكم إذ تمكنت الغالبية الإفريقية من إنهاء نظام الفصل العنصري وإقامة دولة
مدنية ديمقراطية منهية به حالة التمييز العنصري ([14]).
المطلب الثاني
دفاع الشعوب عن حقها في
تقرير المصير
إنَّ مبدأ
تقرير المصير لا يشبه أيّ مبدأ دوليّ آخر، وذلك لقوّة معانيه وتحقيق إرادة الأفراد
في التحرر من كافة أشكال الاستعمار، فقد جاء القانون الدولي بما فيه من مواثيق وقرارات
دولية، ليضع الأُطر الأساسية للمحافظة على الحقوق السياسية، والأمنية، والاجتماعية،
والاقتصادية، والثقافية للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، فقد اكتسب حق تقرير
المصير قوته عند إدراجه في ميثاق الأمم المتحدة، ونصَّ على حق الشعوب سواء كانت كبيرة
أو صغيرة في أن تقرر مصيرها بيدها دون تدخلات خارجية، وإقامة دولة مستقلة محررة من
أي استعمار لأراضيها ومواردها، دون استثناء أو تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة
أو الموقع الجغرافي ،لذلك سوف يقسم هذا المطلب الى فرعين:
الفرع الاول
دفاع الشعب الفلسطيني عن
حقهم في تقرير المصير
الإقليمية
ومختلف قرارات الأمم المتحدة تصب في مجرى جميع المواثيق الدولية الذي يؤكد على
أحقية الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلا أن هناك بعض الـقوى الغربية وعلى رأسها
الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بشتى الوسائل من أجل عرقلة مسار وخيار الشعب
الفلسطيني في تقرير مصيره، وتبين ذلك من خلال انحيـازها للطرف الإسرائيلي، والذي
اتضح جليا من خلال اعتراضها على مختلف القرارات الصادرة من مجلس الأمن التي تدين
الاستيطان الإسرائيلي، لكن ومع ما تتمتع به حركات المقاومة الفلسطينية من شرعية دولية،
بناء على ما تم بيانه، إلا أنها لا زالت تُقابل بالإدانة الدولية وإدراجها على قوائم
الإرهاب رغم انعدام الأساس القانوني السليم لذلك([15]).
ويُعد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ الأساسية التي أقرّها ميثاق الأمم
المتحدة ومواثيق حقوق الإنسان، وقد كرّست الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق من
خلال سلسلة من القرارات الداعمة لحركات التحرر الوطني، أبرزها القرار رقم 1514 لعام
1960 الذي دعا إلى منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، مؤكدًا ضرورة إنهاء الاستعمار
بجميع أشكاله، كما صدر القرار رقم 2621 لعام 1970 الذي أعاد التأكيد على شرعية كفاح
الشعوب المستعمرة بكل الوسائل الممكنة، بما فيها استخدام القوة، في إطار ميثاق الأمم
المتحدة، وانطلاقًا من هذا الأساس اعترفت الأمم المتحدة بحق الشعوب في النضال من أجل
استقلالها، واعتبرت حركات التحرر الوطني كيانات مشروعة تستحق الحماية الدولية وفي هذا
السياق، اعترفت المنظمة عام 1974 بـ منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني،
ومنحتها صفة المراقب الدائم في الجمعية العامة، تأكيدًا على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني
في تقرير مصيره واستقلاله والاعتراف بأن الشعب الفلسطيني شعب كامل ومتكامل، وأن له
قضية عادلة، ومن حقه الدفاع عنها، وأنه ليس مجموعة من اللاجئين)[16]) وأكدت
الأمم المتحدة عبر عدة قرارات على شرعية كفاح الشعب الفلسطيني من أجل تقرير مصيره واستعادة
حقوقه، إذ دعا القرار رقم 2326 لعام 1974 جميع الدول والمنظمات إلى دعم الشعب الفلسطيني
في نضاله، في حين نص القرار رقم 2787 لعام 1971 بوضوح على مشروعية هذا الكفاح، وأدان
القرار رقم 3070 لعام 1973 الدول التي ترفض الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، خاصة
الشعوب الإفريقية والشعب الفلسطيني، مؤكدًا حقها في استخدام القوة والوسائل المتاحة
للتحرر، ويتضح من ذلك أن حركات التحرر الوطني تمتلك الحق المشروع في استخدام القوة
دفاعًا عن حقها في تقرير المصير ومواجهة الاستعمار أو الاحتلال، وأن كفاحها في هذه
الحالات يُعد مشروعًا ومحمياً بموجب القانون الدولي بوصفه شكلاً من أشكال الدفاع الشرعي
عن الحرية والاستقلال[17].
من خلال ما سبق ذكره يتبين أن للشعب الفلسطيني ما يبرر لجوؤه إلى القـوة، لأن
إسرائيل تنكر حقه في أرضه وفي تقـرير مصيره، وهذا الإنكار يعد انتهـاكا للقـانون
الدولي ، مما يجبر المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة بالعمل لوقف إنكار إسرائيل
للحق الفلسطيني، ولأن الأمم المتحدة حتى يومنا هذا اكتفت بإصدار القرارات دون
تنفيذهـا، الأمر الذي يدل على أن الأمم المتحدة عجزت عن القيام بـدورها في وقف
إنكار إسرائيل للحق الفلسطيني، الذي يتناقض مع ميثاق هذه المنظمة التي فشلت حتى في
احترام واستعادة حق الشعب الفلسطيني في أرضه وفي تقرير مصيره، وهذا ما يبرر حقه في
اللجوء إلى القوة من أجل استعادة حقوقه الوطنية المشروعة ).[18]).
الفرع الثاني
الحق في الكفاح المسلح
من اجل تقرير المصير
ليس من
السهل أن تحصل الشعوب المستعمرة على حقها بالاستفتاء، إذ غالبا ما تنكر الدول
الاستعمارية على الشعوب هذا الحق، وتقاومه بكل وحشية إذا هي أبدت رغبتها في ذلك،
ممّا يحتّم اللجوء إلى القوة
بصفتها الملجأ الوحيد للوصول إلى حق تقرير المصير وإن مشروعية استخدام القوة من
أجل نيل حق تقرير المصير يربط مفهوم حركات التحرير الوطني بتطور
النضال الذي تخوضه عبر الأزمنة من أجل الاستقلال، وهذا يعني أنّ هذا المفهوم له
طابع ديناميكي يساير الظروف والتطورات التي تطرأ على المجتمع الدولي وتطوير
الأهداف التي تعمل الحركة على تحقيقها، فهذا المفهوم إذن لا يزال غامضا نظر ًا
لصعوبة تمييزه عن أنواع أخرى من التنظيمات والتجمعات المشابهة له، مثل الحركات
الانفصالية والأحزاب
المعارضة والحركات الإرهابية([19]). ويعرف الأستاذ "الغنيمي" حركات
التحرير بأّنها: "حركات تستند إلى حق الشعب في استعادة إقليمه المغتصب وتستمد
كيانها من تأييد الجماهير الغاضبة على المغتصب، وتتخذ عادة من أقاليم البلاد
المحيطة حرمة لها تستمد منه تموينها، وتقوم عليه بتدريب قواتها، ثمّ أنها بسبب
إمكانياتها تركز جهودها على تحدي الإرادة الغاضبة لا على هزيمة جيوش الاحتلال في
حرب منظمة"، بالرغم من صعوبة تعريف حركات التحرير، فهذا لا يمنع من إيجاد
اتفاق على حد أدنى من الشروط والخصائص التي تنفرد بها حركات التحرير الوطني ([20]). كما تسعى حركات التحرير الوطني إلى تحقيق التحرر والاستقلال، وتتّسم بطابع
عالمي من حيث أهدافها واهتمام القانون الدولي بها، إذ حظيت بالاعتراف والتنظيم ومنحت
امتيازات كحق الكفاح المسلح، والعمل الدبلوماسي، وطلب المساعدات الدولية، والمشاركة
في المنظمات الدولية، وتعتمد هذه الحركات على أرضية داخلية، تتمثل في المناطق المحررة
التي تُقام فيها مؤسساتها الإدارية والعسكرية، أو أرضية خارجية في الدول المجاورة التي
تتيح لها قواعد خلفية لتنظيم قواتها وشن عملياتها، وقد اعتُبرت حروب التحرير الوطني
مشروعة دوليًا منذ عام 1945، وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك في قراراتها،
ولا سيما في لائحة تعريف العدوان لعام 1974 التي نصّت مادتها السابعة على عدم المساس
بحق الشعوب الخاضعة للاستعمار أو السيطرة الأجنبية في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال،
وهو ما جرى تأكيده أيضًا في لائحة الأمم المتحدة الخاصة بـ المركز القانوني للمحاربين
ضد الأنظمة الاستعمارية والعنصرية([21]). من خلال ما سبق يتضح أن حركات التحرير الوطنية تملك الحق المشروع في
استخدام القوة في سبيل كفاحها ضد القوى الاستعمارية والسيطرة الأجنبية والنظم
العرقية التي تنكر حقها في تقرير مصيرها، وأنّ كفاحها في هذه الحالات يكون مشروعاً،
في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت دول
جديدة مستقلة أخذت تطالب بنصيبها في الحياة الدولية وفي المساهمة على نحو فعال في
صياغة قواعد القانون الدولي، وكان لظهور هذه المجموعة الجديدة من الدول المستقلة
أثر كبير في تغيير الفكر السياسي التقليدي الذي اتّخذ موقفًا متشددًا اتجاه حركات
التحرر الوطني، فكان ينظر إلى المستعمرة بوصفها جزءا من إقليم دولة استعمارية،
وبالتالي فما يدور في داخل هذا الإقليم يخرج من دائرة القانون الدولي باعتباره أمر
يتعلق بالاختصاص الداخلي للدولة الأصل فهو
يخضع لقانونها الداخلي([22]) وخلال
المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في جنيف سنة 1949 لحماية ضحايا الحرب، وبجهود الدول
المحبة للسلام، أمكن تقرير حد أدنى من الحماية للإنسانية بموجب المادة 3 المشتركة
من اتفاقيات جنيف بشأن حماية ضحايا النزاعات المسلحة لتطبق على النزاعات المسلحة
ذات الطابع غير الدولي، والتي كانت حروب التحرير
الوطني تندرج في إطارها ولما أصبحت حركات التحرير الوطني تبحث عن حق تقرير
المصير وتعد حركات مشروعة يحميها القانون الدولي المعاصر، فقد أبرم في مؤتمر تطوير
القانون الدولي الإنساني الاتفاق المتضمن البروتوكولين في جنيف سنة 1976، وهما على
التوالي البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف بتاريخ 12 أوت 1949، المتعلق
بحماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة([23])، والبروتوكول الثاني الملحق باتفاقيات جنيف بتاريخ 12 أوت 1949، المتعلق
بحماية النزاعات غير الدولية، وفي هذا الاتفاق اهتمام بالوضع القانوني لحروب
التحرير الوطني، ولقد انتهى المؤتمر الدبلوماسي الذي أقر البروتوكولين إلى اعتبار
حروب التحرير حروبا دولية، فنصت الفقرة الرابعة من المادة الأولى من البروتوكول
الأول على أنّه: "تعد من قبيل الحروب الدولية، المنازعات الدولية التي تناضل
بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية... " ([24]).
تمييز
جرائم الإرهاب الدولي عن الـكفاح المسلح المرتبط بحق تقرير مصير الشعوب: ساندت الأمم المتحدة من خلال
جمعيتها العامة كفاح الشعوب من أجل التحرير والاستقلال بقدر ما أدانت الأعمال
الإرهابية الموجهة ضد الأشخاص المدنيين الأبرياء، ولقد حرصت الجمعية العامة على
توضيح ضرورة عدم الخلط بين المقاومة المشروعة والإرهاب، كما عنيت بالتفريق بينهما
والتأكيد على مشروعية كفاح الشعوب الخاضعة لأنظمة استعمارية أو عنصرية أو غيرها من
أشكال السيطرة، ففي الدورة الأربعين للجمعية العامة طالبت بعض الوفود بضرورة
التمييز بين الأعمال الإرهابية([25])،
وكذلك الكفاح المسلح لحركات التحرير الوطني من أجل تحرير أراضيها المغتصبة،
وممارسة حقها في تقرير المصير ،
أمّا في دورتها الثانية والأربعين أضيف لموضوع
الإرهاب والمدرج في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة موضوع بعنوان
"عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة، لتحديد معنى الإرهاب، والتمييز
بينه وبين نضال الشعوب في سبيل الحرية والتحرير الوطني"([26]).
كما واصلت الجمعية العامة جهودها لمساندة ودعم ال
كفاح المسلح لحركات التحرير، ففي دورتها الرابعة والأربعين أصدرت اللائحة رقم 2944
بتاريخ 04 ديسمبر 1989 التي طلبت فيها من الأمين العام أن يواصل التماس أراء الدول
الأعضاء في الأمم المتحدة بشأن الإرهاب الدولي بكل جوانبه وبشأن طرق ووسائل
مكافحته، بما في ذلك عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة لمعالجة مشكلة
الإرهاب الدولي، والتمييز بينه وبين نضال الشعوب في سبيل التحرير الوطني ([27]). وجدّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والأربعين
تأكيدها على حق الشعوب في الكفاح المشروع من أجل تقرير المصير والاستقلال، وحقها في
طلب الدعم الدولي لتحقيق ذلك، كما أكدت اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع الإرهاب
ومكافحته، المعتمدة في الجزائر عام 1999، هذا المبدأ في مادتها (1/3)، حيث نصّت على
أن كفاح الشعوب من أجل التحرر أو تقرير المصير لا يُعد عملًا إرهابيًا ([28]).
المبحث الثاني
ضمانات الحق في تقرير المصير
كان مبدأ تقرير المصير قبل إدراجه في ميثاق الأمم المتحدة يُعدّ مبدأً عرفيًا
مستخلصًا من ممارسات الدول في علاقاتها الخارجية، كما أشار الفقيه السوفياتي
"تون كين" إلى أنّه نتج عن تصرفات الدول ومعاهداتها، لاسيما تلك التي أبرمتها
روسيا السوفياتية عام 1921 مع أفغانستان وإيران وتركيا، والتي أكدت احترام الاستقلال
وعدم التدخل والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبذلك، فإن الميثاق الأممي لم ينشئ
المبدأ بل كرّس ما كان قائمًا في العرف الدولي. ([29])" لذلك سوف نقسم
هذا المبحث الى مطلبين على النحو الاتي:
المطلب
الاول
الحق في
تقرير المصير في المواثيق الدولية
ان الحق
في المواثيق الدولية قد يكون في الاعلان العالمي لحقوق الانسان او في العهدين
الدوليين وهذا ما سنتناوله في الفرعين الآتيين:
الفرع الاول
الحق في تقرير المصير في
الاعلان العالمي لحقوق الانسان
لجميع
الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن
أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير
الإنساني، لبزوّغ فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من
الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في
جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى مــــــا ترّنو
إليه أيةُ نفس بشرية ([30](.أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال قراراتها
على ضرورة ضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها واعتباره شرطًا أساسيًا للتمتع بالحقوق كافة،
وقد كرّس العهدان الدوليان لعام 1966هذا الحق بنص موحد في مادتهما الأولى، مؤكدين حرية
الشعوب في اختيار مركزها السياسي وتحقيق تنميتها، كما أعاد إعلان وبرنامج عمل فيينا
لعام 1993التأكيد عليه، خصوصًا للشعوب الخاضعة للاحتلال الأجنبي([31]).
تكرّس مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بوضوح في قرارات الأمم المتحدة، ولا سيما
القرار 1514 (د-15) الصادر في 14 كانون الأول 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب
المستعمرة الذي مثّل أساسًا لجميع القرارات اللاحقة المتعلقة بتصفية الاستعمار، وقد
أسهم هذا المبدأ في تحقيق الاستقلال السياسي لعدد من الشعوب، غير أن استمرار السيطرة
الاستعمارية على الموارد الاقتصادية كشف أن التحرر السياسي يجب أن يقترن بالتحرر الاقتصادي،
ومن هنا ظهرت فكرة السيادة على الموارد الطبيعية فأقرت الجمعية العامة القرار 626
(21 كانون الأول 1952)مؤكدة حق الشعوب في التحكم بثرواتها تأكيدًا لمبدأ تقرير المصير
الاقتصادي[32]
ثم بعد ذلك اقترحت لجنة حقوق الإنسان عام 1954 على الجمعية العامة إنشاء
لجنة خاصة لدراسة حق الشعوب في السيادة على ثرواتها ومواردها الطبيعية وحقها في
التصرف الحُر فيها وفقاً لمصالحها القومية، ودونما إخلال بأية التزامات مُنبثقة عن
مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون
الدولي، كما لا يجوز في أية حال من الأحوال حرمان أي شعب من أسباب عيشهِ الخاصة
(الفقرة 2 من المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية 1966)، وقد ذكر في قـرار الجمعية العامة رقم 1515 المؤرخ في 15/كانون
الأول/1960، الذي أوصت فيهِ باحترام الحق المُطلق لكل دولة في التصرف بثرواتها
ومواردها الطبيعية، وهذا ما أكدهُ أيضا القرار رقم 1803 (د- 17) الذي أصدرتهُ
الجمعية العامة في 14/ كانون الأول/1962، والمُعنون (السيادة الدائمة على الموارد
الطبيعية) وأعلنت في فقرتهِ الأولى:" يتوجب أن تتم مُمارسة حق الشعوب والأمم
في السيادة الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية، وفقاً لمصلحة تنميتها القومية
ورفاه شعب الدولة المعنية[33].
كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المرقم 2625 الصادر في
24/تشرين الأول/1970، مُتضمناً تصريحًا خاصًا بالعلاقات الودّية والتعاون بين
الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وعلى أساس مبدأي المساواة وحق الشعوب والأمم في
تقرير المصير اللذان هما من مبادئ القانون الدولي الخاص، جاء فيه:" بموجب
مبدأ التسوية في الحقوق وتقرير المصير للشعوب المُعلنين في ميثاق الأمم المتحدة،
لكل الشعوب الحق في أن تقرر دون تدخل أجنبي مركزها السياسي وأن تسعّى لتأمين نموها
الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وعلى كل دولة واجب احترام هذا الحق وفق نصوص
الميثاق". والقرار الذي أصدرته في 15/ كانون الأول/1970، الذي أكدتْ فيهِ على حق
الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة الإسراع في منح الاستقلال للشعوب والبلاد
المُستعمرة وعلى شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية
المُعترف بحقها في تقرير المصير لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها"،
ونلاحظ في هذا القرار أن الجمعية لم تكتف فقط بإقرار المصير ومطالبتهِ للشعوب، بل
أكدتْ أيضا على شرعية النضال والكفاح والاستقلال للشعوب الخاضعة لسيطرة الاستعمار
بأية وسيلة للوصول إلى حقهم، كما يحصل الآن في فلسطين التي تناضل ضد المستعمر، كما
ورّد هذا التأكيد في القـرار المهم رقم 2955 الصادر عن الجمعية العامة في 12/كانون
الأول/1972، وفي قرارها رقم 3070 الصادر في 30/ تشرين الثاني/ 1973 طلبت الجمعية
العامة من جميع الدول الأعضاء الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها
وتقديم الدعم المادي والمعنوي وكافة أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من أجل هذا
الهدف وجد )[34](.
الفرع الثاني
الحق في تقرير المصير في
العهدين الدوليين لحقوق الانسان
حـق
الشعـوب في تقرير مصيرها في ثنايا ميـثاق منظمة الأمم المتحدة، أكدت عليه القرارات
الدولية التي صدرت عن هذه المنظمة، وهذا ما ذهبت إليه محكمة العـدل الدولية في
بعـض أحكامها، وأقره الفقه الدولي، إذ نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى من
الميثـاق على أن أحد مقاصد الأمم المتحدة " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام
المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير
مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام"، وجاءت
المادة 55 من الميثاق وأكدت ذلك أيضا([35]).
كما أكدت المادة الأولى من العهدين الدوليين لعام 1966 حق الشعوب في تقرير مصيرها
بحرية وفي اختيار نظامها السياسي وتحقيق تنميتها، كما كرّست الجمعية العامة هذا المبدأ
في قراراتها 1514 (1960) بشأن منح الاستقلال، و2621 و2625 (1970) اللذين اعتبرا الاستعمار
خرقًا لميثاق الأمم المتحدة وأكدا حرية الشعوب في تقرير مركزها السياسي وتنميتها دون
تدخل خارجي.(3) ولقد أكدت محكمة العدل الدولية على هذا الحق في رأيها
الاستشاري في قضية الآثـار القانـونية لإنشاء الجدار العازل في فلسطين في حكمها في
09/07/2004 ،ومنه يستفاد مما جاء به الفقه الدولي وإعلانـات الجمعية العامة وأحكام
المحكمة بأن مبدأ حق تقرير المصير قاعدة آمرة من قواعـد القانون الدولي، كما عّدت
محكمـة الـعدل الدولية في آرائها الاستشارية مبدأ الحـق في تقرير المصير مبدأً
قـانونيا، وذلك في معرض تعرضها دوليا قضايا ناميبيا 1971، والصحراء الغربية 1975، وتيمور
الشرقية ًملـزما ([36]).
المطلب الثاني
الحق في تقرير المصير في
التشريعات الداخلية
نناقش في
هذا المبحث كفالة مبدأ حق تقرير المصيــر في دستــور جمهورية العــراق لسنة2005 ودستــور
اقليم كردستــان باعتباره الدستــور الإقليمي الوحيد ضمن نطاق الــدولــة الاتحادية
العــراقية، ثم ننتقل لنحلل الموائمة في الفرع الاول على النحو الآتي:
الفرع الاول
الحق في تقرير المصير في
الدستور العراقي
لم يتطرق المشرع
الدستــوري العــراقي الى حق تقرير المصيــر من قريب او بعيد، وقد يكون السبب هو
فكرة حق الأفراد او المجاميع في تحديد مصيرها داخل العــراق الجديد لم تكن متصورة المطروحة
للنقاش في الفترة الزمنية التي كتب فيها الدستــور في 2005، ومن البديهي ان هذه
الفكرة لم تكن واردة او قابلة للنقاش في
فترة ما قبل 2003 ونفاذ دستــور 1970،
بينما اورد الدستــور وعلى سبيل الحصر الحقوق التي كفل حق التمتع بها للأفراد،
والتي تنوعت بين الحقوق المدنية والسياسية وذلك في بابه الثاني، إذ اورد صراحة
تمتع الفرد العــراقي بحقه في الحياة والآمن والحرية وذلك في المادة (15) منه، وكفل في
المواد (18،17،16) تكافؤ الفرص والخصوصية الشخصية وحرمة المساكن واكتساب الجنسية
وما يتعلق بها، وكما نص على حق التقاضي وما يتعلق به، والمشاركة في الحياة
السياسية في المواد (20،19 ) منه كما افرد المواد ( 22-26) للتأكيد على حق الأفراد
في العمل والتملك داخل العــراق والرعاية الصحية وحق ذوي الاحتياجات الخاصة في
رعاية خاصة مناسبة الاحتياجات وحق العيش في بيئة سليمة والحق في حرية التعليم ،
هذا فضلا عما اورده في الفصل الثاني من بابه الثاني ضمن المواد (37-44) إلا ان مشرعنا
الدستــوري لم يشر ضمن هذه المواد كلها الى حق تقرير المصيــر للطوائف والأقليات
وغيرهم في العــراق، على العكس إذ انه في مواطن عدة من الوثيقة الدستورية أكد على
و حدة العــراق، اذ جاء في الجزء الأخير من ديباجة الدستــور ما يلي "ان الالتزام
بهذا الدستــور يحفظ للعراق... " فضلاً عما جاء في المادة الاولى منه وهذا خير دليل
على انه ضامن لوحدة العــراق([37]). والحقيقة ان عدم ذكر حق (تقرير المصيــر (إنما هو أمر قد يكون محل للاستغراب
والاستفهام، لان العــراق بلد متعدد المكونات التي تختلف في الأديان والطوائف والاعراف،
ومن الممكن إنه قد ترد فكرة الاستقلال الى أي من هذه المكونات، ان لم يكن في الوقت
الحاضر، ومن المفترض ان الوثيقة الدستــورية تكتب لتعيش سنوات مستقبلية طويلة
لصعوبة تعديلها المتكرر كلما تغيرت ظروف المجتمع، الا انه على ما يبدو ان فكرة (العــراق
الواحد) متعدد الأطياف والمكونات كانت هي السائدة بقوة عند وضع الدستــور في
الفترة الزمنية الممتدة بين عامي (2004 و2005( وهذا ما
أكدته المادة (3) من الدستــور العراقي، من جانب آخر فان الفكرة نفسها
كرست في مشروع دستــور (إقليم كردستــان لسنة 2009) والذي لم يكتب له ان يدخل لحيز
النفاذ الى يومنا هذا وبموجب المادة الأولى منه والتي نصت على ان "كردستــان
العــراق إقليم ضمن دولــة العــراق الاتحادية..." على هذا الأساس كفل
الدستور السوداني لسنة 1998 حق تقرير المصير لجنوب السودان؛ إذ نصت المادة 139 على
أنّ جنوب السودان نظامه انتقالي لأجل يكون فيه اتحادية وتنسيقية للولايات، وكذلك
دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 في بابه 73 الجنوبية وينتهي بممارسة حق تقرير المصير ولكن من الملاحظ
هنا أنّه يساهم بشكل كبير في سهولة تفكيك وحدة الدول، كما أنه يمكن أن يقنع المطالبين
بتقرير المصير بالبقاء ضمن کيان الدولة الموحد إذا ما نجحت الحكومة الوطنية في
بناء جسور الثقة بين الحاكمين والمحكومين، واحترام حقوق الشعوب المكونة للدولة دون
قهر أو قسر أو تعسف، وتحقيق المساواة دون تمييز في المعاملة، مع ضمان المشاركة
العادلة في الحكم والإدارة المحلية للشعوب في كل ما يتعلق بشؤونهم الداخلية، وبما
يحفظ حقوق هذه الشعوب وهويتها؛ وبذلك يتهيأ المناخ الموضوعي للانسجام القومي
للشعوب في الكيان الموحد، وحينها تنتفي المطالبة بتقرير المصير([38]).
الفرع الثاني
الحق في تقرير المصير في
القوانين العراقية
طرح مانشيني
في منتصف القرن التاسع عشر نظرية القوميات، التي تقوم على أن لكل أمة متجانسة الحق
الطبيعي في تكوين دولة مستقلة تعبّر عن إرادتها السياسية، ويُعرَّف مبدأ القوميات بأنه
وجوب تجسيد كل قومية في دولة تمثلها غير أن الواقع والقانون الدولي يؤكدان أن الدولة
لا تُشترط أن تضم قومية واحدة، إذ لا يوجد تطابق تام بين مفهوم الأمة والدولة فقد تضم
الدولة الواحدة عدة قوميات أو تتوزع الأمة الواحدة بين عدة دول ([39]). اذ تعتبر الدولة السوفيتية تحقيق هذا المبدأ
بأنه تعبير منطقي عن الصراع ضد كافة اشكال التعسف والقهر، وبناء عليه فأن هذه
الدولة كان تقرن المسألة القومية بمسألة التحرر من الاستعباد، وهنا في هذه النقطة
نجد ان الاستفتاء الذي حصل في إقليم كردستان يختلف" من حيث عدم وجود أي شكل من اشكال الاستعباد بين
الحكومة المحلية وبين حكومة الإقليم باختصار يمكن القول بان المفهوم الاشتراكي
لتقرير المصير لا يقوم على أساس الدفاع عن مبدا القوميات القديم بل باعتباره اقعدة
دولية جديدة تجيز جمع عدة أمم وقوميات مختلفة تنضم طوعا في دولة واحدة على أساس
فدرالي او على أي أساس اخر([40]).
فضلا عن
ذلك نجد ان العصبة قد رفضت تطبيق هذا المبدأ في دول أخرى وتحديدا في الفترات
السابقة منها العراق، ومصر والفلبين وكوريا وايرلندا، لعدم قناعتها بأهلية هذه
الدول في تحمل أعباء الاستقلال، وان هذا الرأي تم التشكيك فيه، وذلك لأن العراق
كان في السابق موضوع تحت الانتداب، وانتهى ذلك النظام بقبوله في عهد العصبة في
تشرين الأول عام 1932، باعتباره دولة توافرت فيها كل مقومات الاستقلال، وكذلك
الحال بالنسبة لمصر فقد حصلت على استقلالها عام 1921 ودخلت عصبة الأمم عام 1936، واما
الفلبين فقد كانت تابعة للأمم المتحدة الأمريكية وحصلت على استقلالها عام 1934، وكذلك
الحال بالنسبة لكوريا فقد كانت موضوعة تحت الحماية اليابانية منذ عام 1905 حتى
الحرب العالمية الثانية ، واما ايرلندا فقد حصلت على استقلالها بموجب المعاهدة (26)
المعقودة مع بريطانيا عام 1921، وفي الخامس والعشرين من سبتمبر
عام 2017 صوت الأكراد العراقيين لصالح انفصال اقليم كردستان العراق عن بغداد في
استفتاء تجاوزت نسبة الموافقة عليه من اصل 3،3 ماليين الذين شاركوا في عملية الاقتراع
وكما نعلم ايضا ان نتائج التصويت كانت مؤيدة للانفصال وتباينت مواقف القوى الإقليمية
والدولية فمنهم من كان مؤيد ذلك الانفصال ومنهم من كان معارض على اصل الاستفتاء
ايضا"، وبشكل عام فان الباحثين المختصين الجهات بهذا المجال وتحديدا التي
ايدت الاستفتاء وعملية الانفصال ترجع سبب ذلك الى مجموعة من الحجج القانونية لمبدأ
حـق الشعوب في تقرير مصـيرها، وذلك تبعا لاختلاف توجهات الدول التي ينتمـون
إليـها، فالفقه الذي ينتمي للدول التي لها مصالح وتسعى إلى الهيمنة والسيطرة على
الـدول، يـرى فيها مجـرد مبدأ سياسي أخلاقي، في حين الفـقه الـذي ينتمي إلى الدول
التي تسعى وتـؤيـد حق تقـرير المصير يرى أنه حق قـانوني يترتب عليه ما يترتب على
كافة الحقوق الأخرى، ومن ثم فمـن حق الشعوب استعمال الأساليب السلمية للحصول على
استقلالها، أو اللجوء إلى الكفاح المسلح في حـالة فشل الحل السلمي لاستعـادة
سيادتها وتقرير مصيرها بنفسها ([41]).
لا شك أن فكرة انفصال جماعة داخل دولة ما وإعلان استقلالها لا يزال موضع جدل في
المجتمع الدولي، فلقد شهد المجتمع الدولي في الآونة الأخيرة بروز ما يطلق عليه
الحق في الانفصال كحل كما في القضية الكتالونية أو في كيبك
وغيرها من الأقاليم في العالم، وهذا ما يمس بمبدأ مقدس لجميع الدول إلا وهو
سيادتها الإقليمية، ويجعلنا نبحث عما إن كانت هناك بدائل للانفصال ([42]).
وذلك على النحو الاتي:
أوّلًا: حق
تقرير المصير بين إشكالية الانفصال ومبدأ السيادة الإقليمية سبق وأشرنا إلى أنّ
مبدأ السيادة الإقليمية للدول وسلامتها هو حجر الزاوية في القانون الدولي، بيد أنه
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية وإنشاء الأمم المتحدة ثارت مجموعة من القرارات في
شأن حق تقرير المصير والتي تعدّدت إلى ثلاثة أوضاع وهي الاستعمار، الاحتلال و
النظم العنصرية فيما يخص الاستعمار، فإنه ترتيب على ما سبق فقط، حيث أصبح حق
الشعوب المستعمرة حق قانونيً عرفيً في القانون الدولي، وهو ما يعني حق الشعوب
الخاضعة للاستعمار في تقرير مصيرها من قبل
كافة أعضاء المجتمع الدولي، بالإضافة إلى ذلك فإن الاحتلال الأجنبي هو أيضًا شكل
من أشكال استعمال القوة والسيطرة الخارجية التي تفرضها قوى المحتل على أراضي
الشعوب المحتلة، وهو نمط مختلف عن الاستعمار و في هذا الإطار نشير إلى مجموعة من
القرارات التي أصدرها الأمم المتحدة التي
اكدت على بطلان الآثار الإقليمية الناتجة عن الاحتلال الأجنبي ([43]).
ثانيًا: شروط
تقرير المصير ممارسة ديمقراطية يجب أن تتم بشفافية ووفقا للقانون، فإذا حدث
استفتاء دون نص في القانون يلزم به، فإنّه لا ينتج الأثر المرجو منه ويفتقد أحد
شروط صحته، كما نظم المبدأ السابع من المبادئ التي يسترشد بها في تقرير المصير على
النحو التالي ([44]).
1- يجب أن يكون الدخول الحر في رابطة
نتيجة اختيار حر إرادي يعرب عنه سكان الإقليم المعني بوسائل ديمقراطية معروفة،
وعلى أساس احترام الذاتية الفردية والخصائص الثقافية للإقليم وسماته، على أن يتمّ
الاحتفاظ لسكان الإقليم الداخل في رابطة مع دولة مستقلة بحرية تعديل مركزه
والإعراب عن إرادتهم بالوسائل الديمقراطية حسب الأصول الدستورية.
2- يجب أن يكون للإقليم الداخل في
رابطة حق تقرير دستوره الداخلي، دون تدخل خارجي وفقًا للأصول الدستورية الصحيحة،
ولرغبات السكان المعرب عنها بحرية، ولا يمنع ذلك إجراء المشاورات المناسبة
واللازمة بمقتضي نظام الرابطة الحرة المتفق عليها، تجعل الممارسة الديمقراطية
الشفافة مساحة للتعبير عن رغبات شعب الإقليم؛ إذ سبق الاتفاق بين ممثلي شعب ذلك
الإقليم والسلطة القائمة، سواء كانت أجنبية أو وطنية، من أجل ترتيب استفتاء
لاستشارة الشعب وتحديد إشراف الأمم المتحدة ([45]).
وفي حالة تخيير شعب الإقليم الاندماج مع باقي أقاليم الدولة إذا كان إقليما متمتعا
بالحكم فإن خيارات الاندماج في إطار الدولة القائمة تتبع الخطوات التي أقرتها
مبادئ يسترشد بها في تقرير المصير وفق نص محكمة العدل الدولية القائل: "يجب
أن يكون الاندماج قد حصل باجتماع الشرطين
الآتيين([46]):
1ـ أن يكون الإقليم المندمج قد بلغ مرحلة متقدمة من
الحكم الذاتي، وتوفرت لديه المؤسسات السياسية الحرة بحيث يكون لدى سكانه أهلية
الاختيار المسؤول بالطرق الديمقراطية المعروفة، وأن يكون الاندماج قد حصل نتيجة
لرغبات سكان الإقليم التي أعربوا عنها بحرية يصحبها إدراكهم التام للتغيير في
مركزهم القانوني، وبالطرق الديمقراطية المعروفة، مطبقة بكل تجرد ومبنية على أساس
اقتراع البالغين العام ويجوز للأمم المتحدة، متى ارتأت ذلك، أن تشرف على تطبيق هذه
الطرق.
2ـ تصح ممارسة تقرير المصير إذا
كان الاختيار ديمقراطيا مثل الاستفتاء أو المشورة عبر الممثلين تحت إشراف قانوني
وبرقابة إقليمية أو دولية تنتهي باعتراف الدولة الأم.
إن
استقلال بعض الدول وما صاحبه من تداعيات لم يجد قاعدة قانونية جديدة متفقاً عليها،
إنما أدخل التسييس في القانون الدولي، على الرغم من أن
القانون الدولي لا يمنع إعلان الاستقلال لأي شعب
لقد أتي الاستفتاء في إقليم دونتسيك وانفصاله عن أوكرانيا بحماية سياسية وعسكرية روسية
على النسق الأميركي لديها، ولقد فرض أمرا واقعا بالرغم من أنه تم تحت احتلال أو
نفوذ عسكري روسي مما يسهل الاستنتاج بأن منطق القوة لا يزال يحكم النظام القانوني
الدولي وبناء على ذلك فإنه لابد من وجوب الاعتراف للأقليات التي تعاني من الظلم
والاضطهاد من حق تقرير المصير وفقا لما هو وارد في الاتفاقيات الدولية لحقوق
الإنسان كل ذلك بتوافر الشروط الآتية([47]):
1ـ يشترط في تقرير المصير أن تكون جميع الظروف
الجغرافية ملائمة، بمعنى أن يكون الشعب أوالجماعات
المطالبة بالانفصال تشكل الأغلبية العادية في الإقليم، إما في حالة تعرض هؤلاء
الأقلية لانتهاكات بسيطة عندئذ لا يتاح لهم الاستقلال، وإنما المطالبة فقط من
النظام الحاكم أي السلطة المسؤولة عن إدارة الدولة باحترام الحقوق والحريات
المنصوص عليها في القانون الدولي وحقوق الإنسان.
2ـ لتثبيت الحق في تقرير المصير يشترط التفريق بين
الأقليات المنتشرة في إقليم الدولة والمتمركزة في إقليم معين منه، إذ أنه لما تكون
تلك الأقليات منتشرة في إقليم الدولة لا يجوز لأفرادها المطالبة بأكثر من المساواة
في الحقوق مع باقي أفراد المجتمع، أما في حالة الأقليات المتمركزة في جزء معين من
الدولة فإن الحكم الذاتي يعد الوسيلة القانونية المناسبة لعلاج عدم التكامل بين
الأغلبية والاقلية.
ثالثا: بدائل
الانفصال في حق تقرير المصير إن ممارسة حق تقرير المصير يكون بطريقة سلمية، بينما
يلجأ شعب ما للعنف فقط حال فشل تمكينه من التعبير عن رغباته بالوسائل الديمقراطية،
فقانونيًا توسعت آليات تقرير المصير لتشمل حقوق الإنسان والشعوب بما فيها الشعوب
المقهورة أو تلك التي تطمح لتقرير مصيرها؛ إذ تنص المادة 20 من الميثاق الإفريقي
لحقوق الإنسان والشعوب على أنّ: "لكل شعب الحق في الوجود، ولكل شعب حق مطلق
وثابت في تقرير مصيره، وله أن يحدد بحرية وضعه السياسي..." ، إنّ
استمرار أعمال الكفاح المسلح بشكل عام يمثل خطرا على السلم والأمن الدوليين؛ لذا
فإنّ إيجاد الحلول السلمية هي من صميم اختصاص الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية
من أجل إنهاء الصراعات الإثنية بما يتماشى مع المادة 55 من ميثاق الأمم المتحدة،
كما ورد في التقرير رقم 1514 الذي صدر عن
لجنة خبراء القانون الدولي حول مسألة العنف الذي يصاحب المطالبة بتقرير المصير
بأنّه "في أغلب الأحيان ليس تأكيد الحق في تقرير المصير من قبل الشعوب
المضطهدة هو الذي يقود إلى العنف، بل رفض سلطات الدولة هو الذي يقود إلى نشوب
أعمال النزاع المسلح ان البديل لاستفتاء خيار شعب يعيش في إقليم تحت الاحتلال أو
الاستعمار أو يعاني التهميش بين الأغلبية([48]).
اما راي
الباحث فيما تقدم يتـرتـب على ما تقـدم ان مبدأ تقـرير المصير يتمتع بصفـة
مـزدوجـة قـانـونية وسـيـاسية، وهـذه الصفة في الـواقع لا ينفـرد بها هـذا المـبدأ
وحـده ولعـل قـول الأستـاذ "فيراللي" ما
يؤكـد ذلك، إذ عرض إمكانية تمتع مبادئ القـانون الدولي بصفة مـزدوجـة سياسية
وقـانونية في العبـارة التــالية: "لا يوجد أي تنافـر بين مبــادئ قانونية
ومبادئ سياسية فثمة مبـادئ قـانونية تماما يمكـن أن تنطوي بالنسبـة للدول التي
تعتـمد بها أو تعـلنها، على أهمـية سياسية كبـرى، بل إن هـذه هي حالة معتـادة،
وهذا طبعـا لا يفـقـدها صفتـها الـقانونية".
الخاتمة
من خلال
دراستنا لحق تقـرير المصير توصلنا الى ما يأتي:
اولا: الاستنتاجات
1ـ أن مبدأ
حق الشعوب في تقرير مصيرها تطور ليغدو مبدأً قانونيًا ملزمًا، لا يقتصر على الجانب
السياسي فحسب، بل يشمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لضمان الاستقلال
الحقيقي للشعوب.
2ـ أن جهود
المجتمع الدولي، عبر منظماته العالمية والإقليمية، كان لها دور حاسم في ترسيخ مبدأ
حق الشعوب في تقرير مصيرها، من خلال قرارات الأمم المتحدة وإعطائه مكانة أساسية ضمن
الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.
3ـ يُعد حق
الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره حقًا دوليًا مشروعًا، وتُعد الوسائل التي أقرتها الأمم
المتحدة لتحقيقه، سواء بالحوار أو بالنضال أو بالمفاوضات، وسائل شرعية معترفًا بها
دوليًا.
4ـ تُعد حركات
التحرر من أجل تقرير المصير شرعية، غير أن عوائق تطبيق هذا الحق سياسية بالأساس، نتيجة
غطرسة الكيان الإسرائيلي والدعم الأمريكي له، مما يتطلب حلاً عادلًا يضمن حق الشعب
الفلسطيني في تقرير مصيره.
ثانيا: التوصيات
1ـ ضرورة إيجاد
حل عادل وعملي يضمن للشعب الفلسطيني ممارسة حقه في تقرير مصيره، والتصدي للعوائق السياسية
التي تحول دون تحقيق هذا الحق.
2ـ الضغط على
الولايات المتحدة لوقف استخدامها لحق النقض في قضايا فلسطين، والعمل على استبدال آلية
الفيتو بما يضمن إنفاذ قرارات تقرير المصير.
3ـ
التصويت بالأغلبية، وإرسال قوات دولية، وتقديم الدعم للشعب الفلسطيني، مع تأكيد حقه
في تقرير مصيره وفق قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
4.
على الأمم المتحدة تحويلها قراراتها إلى إجراءات
فعلية على الأرض، وإنهاء دورها السلبي تجاه فلسطين، وقد يتطلّب ذلك استخدام الوسائل
القسرية لحماية الحق في تقرير المصير.
إقرار
تضارب المصالح
يُقر
المؤلف بعدم وجود أي تضارب محتمل في المصالح فيما يتعلق بالبحث أو التأليف أو نشر
هذا المقال.
التمويل
لم يتلقَ
المؤلف أي دعم مالي لإجراء هذا البحث أو تأليفه أو نشره.
البيان
الأخلاقي
هذا البحث
يتوافق مع المعايير الأخلاقية لإجراء الدراسات العلمية. وقد تم الحصول على موافقة
خطية من جميع المشاركين الأفراد المشمولين في الدراسة.
بيان توفر
البيانات
البيانات
متاحة عند الطلب من المؤلف المراسل.
الشكر
والتقدير
المصادر
1ـ ابو الهيف علي صادق، القانون الدولي العام، منشاة
المعارف، الطبعة 17، الإسكندرية، مصر،.1997
2ـ أحمد أبو
الوفا، الوسيط في القانون الدولي، الطبعة الخامسة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005.
3 ـ أحمد محمد رفعت، الإرهاب الدولي في ضوء أحكام
القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، دار النهضة العربية،
القاهرة، 1992.
4ـ أحمد محمد
طوزان، التحول في المفهوم القانوني لحق تقرير المصير بين تحقيق الاستقلال
والانفصال، جامعة دمشق، سوريا.
5. بن عامر
التونسي، قانون المجتمع الدولي المعاصر، الطبعة السادسة، ديوان المطبوعات
الجامعية، الجزائر، 2005.
6. حامد محمود عيسى، المشكلة ال كردية في الشرق
الاوسط، مكتبة مدبولي، الإسكندرية، مصر، 1992
7. حسام احمد
هنداوي، القانون الدولي العام وحماية حقوق الأقليات، دار النهضة العربية، القاهرة،
1997.
8ـ حمد سامي
عبد الحميد، أصول القانون الدولي العام التنظيم الدولي، دار الجامعة الجديدة،
الإسكندرية، مصر، 2015.
9. حمدي
وليد، ال كرد وكردستان في الوثائق البريطانية دراسة تاريخية وثائقية، مطابع سجل
العرب، مصر.
10. سامي جاد
عبد الرحمن واصل، إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، منشأة المعارف،
الإسكندرية، 2003.
11. سليمان آدم قادم فضل حق تقرير المصير طرح جديد
لمبدأ قديم -دراسة لحالات اريتريا، الصحراء الغربية، جنوب السودان-، مركز الإمارات
للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، الإمارات. مصر، 1997.
12. صلاح
الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، الطبعة الأولى، دار الفكر
العربي، القاهرة، مصر، 1976.
References
1. Abu Al-Hayf
Ali Sadiq, Public International Law, Al-Maaref
Establishment, 17th Edition, Alexandria, Egypt, 1997
2. Ahmed Abu Al-Wafa,
The Intermediate in International Law, Fifth Edition, Dar Al-Nahda Al-Arabiya,
Cairo, 2005
3. Ahmed Abu Al-Wafa,
The Intermediate in International Law, Fifth Edition, Dar Al-Nahda Al-Arabiya,
Cairo, 2005
4. Ahmed Abu Al-Wafa,
The Intermediate in International Law, Fifth Edition, Dar Al-Nahda Al-Arabiya,
Cairo, 2005.
5. Ahmed Abu Al-Wafa, The Intermediate in International Law, Fifth Edition,
Dar Al-Nahda Al-Arabiya, Cairo, 2005.
6. Hamed Mahmoud Issa, The Kurdish
Problem in the Middle East, Madbouli Library,
Alexandria, Egypt, 1992.
7. Hussam Ahmad Hindawi,
Public International Law and the Protection of Minority Rights, Dar Al-Nahda
Al-Arabiya, Cairo, 1997
8. Hamad Sami Abdel Hamid, Principles
of Public International Law and International Organization, Dar Al-Jami’a Al-Jadeeda, Alexandria,
Egypt, 2015
9. Hamdi Walid, The Kurds and
Kurdistan in British Documents: A Historical and Documentary Study, Arab Record
Press, Egypt
10. Sami Gad Abdel Rahman Wasel, State Terrorism within the Framework of Public
International Law, Al-Maaref Establishment,
Alexandria, 2003
11. Suleiman Adam Qadim Fadl, The Right to Self-Determination: A New Approach to an
Old Principle – Case Studies of Eritrea, Western Sahara, and South Sudan,
Emirates Center for Strategic Studies and Research, Abu Dhabi, UAE
12. Salah El-Din Amer, Introduction
to the Study of the Law of Armed Conflict, First Edition, Dar Al-Fikr Al-Arabi, Cairo, Egypt, 1976
([2]) ابن منظور،
أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، الجزء 5 ،الطبعة3 ،دار الشروق،
بيروت، 1994 ،ص.91
([3]) السائح احمد
محمد، عبد السلام علي مصباح، إبراهيم العايش علي، "مبدأ حق تقرير المصير بين
النشأة السياسية والطبيعة القانونية"، مجلة جامعة سرت العلمية، ليبيا، المجلد
7 ،العدد 2 ،ديسمبر 2017 ،ص.36.
([6]) حمد أبو
الوفا، الوسيط في القانون الدولي، الطبعة الخامسة، دار النهضة العربية،
القاهرة،.2010،ص89.
([7]) أحمد محمد رفعت، الإرهاب
الدولي في ضوء أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة،
دار النهضة العربية، القاهرة، 1992.ص87.
([9]) أحمد محمد
طوزان، التحول في المفهوم القانوني لحق تقرير المصير بين تحقيق الاستقلال والانفصال،
جامعة دمشق، سوريا.،1999ص54
([12]) حمدي وليد، ال
كرد وكردستان في الوثائق البريطانية دراسة تاريخية وثائقية، مطابع سجل العرب،
مصر،ص54
([13]) سامي جاد عبد الرحمن واصل،
إرهاب الدولة في إطار القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2003 ،ص90
(16) د. أحمد قاسم الحميدي. الدفاع الشرعي والمقاومة المشروعة في
القانون الدولي العام. مرجع سابق. ص: 153.
(17) الياس حنا. الوضع القانوني
للمقاومة العربية في الأرض المحتلة. منظمة التحرير الفلسطينية مركز الأبحاث.
بيروت – لبنان. 1968. ص: 13.
(19) منى داود محيي الدين الصلاحات. حق الشعب الفلسطيني في تقرير
المصير: دراسة قانونية. رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الحقوق في جامعة الشرق
الأوسط – الأردن. 2011. ص: 51 – 52.
([25]) أحمد عبد
الحي. دور الأمم المتحدة في تثبيت وجود إسرائيل وإهدار كيان فلسطين: القضية
الفلسطينية في نصف قرن. منشورات فلسطين المسلمة. الطبعة الأولى. لندن المملكة
المتحدة. 1999. ص: 81 – 82 – 84.
([27]) حسام احمد
هنداوي، القانون الدولي العام وحماية حقوق الأقليات، دار النهضة العربية، القاهرة،
1997، ص65.
([28]) حمد سامي عبد الحميد، أصول القانون
الدولي العام التنظيم الدولي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2015، ص77 .
([29]) احمد محمود عبد الفتاح ابو ديه، مشكلة الأقليات في الوطن العربي:
دراسة مقارنة لحالتي الأقليات في البحرين و جنوب
السودان، القاهرة، 2000.،ص87.
([35]) بن عامر التونسي، قانون المجتمع الدولي المعاصر، الطبعة
السادسة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2005، ص 56
(36)
العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966.
([42]) سليمان آدم
قادم فضل،حق تقرير المصير طرح جديد لمبدأ قديم -دراسة لحالات اريتريا، الصحراء الغربية، جنوب السودان-، مركز الإمارات
للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، الإمارات، ص87
([43]) صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة،
الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1976.، ص34.
([44])عكاوي
ديب، حق الشعوب في تقرير المصير "توجيهات قانونية جديدة"، الطبعة
الأولى، مؤسسة
الأسوار-عكا-،1997،ص90.
([46]) عماد
عبد الغني، المقاومة وحق تقرير المصير في تجربة الميزان الدولي، الجامعة
اللبنانية، بيروت، .2009،ص65